حب الجسد

في المكتب، سمعت بعض زملاء العمل يتحدثن عن موضوعهن المفضل؛ التغيير الشكلي. يقولون كيف إذا تخلصوا من بعض عظم الوركين الحاملة أطفالهم، سيسعون داخل بناطيلهن. كيف لو تخلصوا من عظم – تصحيح: غضروف – أنفهِن، سَيبدون أفضل بكثير. صُعِقت بإدراك رهيب: هؤلاء النساء يكرهون أنفسهن حتى العظم.

لقد تجنبت الذهاب إلى الصالونات، وأحاول تجنب زيارة الصيدليات قدر الإمكان. إذا قمت بزيارتهم، فأختصر و احرص على أن اتسم ببرودة قاسية. لماذا؟ لأنه بمجرد دخولك تلك الأماكن، تبدأ البائعة في “تَشخيصك”، مُقتَرِحة كريمات لترويض شعرك الطبيعي أو أمصال لإخفاء دموع غير موجودة. تكون جريئة في الإشارة إلى عيوب المرء، وأحيانًا أشعر أنها ليست مسألة بيع فحسب؛ فهم يستمتعون في الإهانة! لقد لاحظت أن معظم البائعات اللاتي يتصرفن بهذه الطريقة عرب. هذا يجعلني أخمن بأن انعدام الأمن الفطري متصل بالطريقة التي ترى المرأة نفسها هنا، والأدوار التي من المتوقع أن تلعبها.

يتم استقبالك بلوحات إعلانية ضخمة لعِيادات الجراحة التجميلية فور وصولك إلى الكويت. هذه الإعلانات تملأ الشوارع و انستغرام بلا حياء. اعتادت الأبراج “الطبية” أن تكون محصورة في منطقة تجارية واحدة، لكن الآن انتشرت في جميع أنحاء البلاد.

 من السهل جدًا فتح عيادة تجميل هنا؛ هناك أشخاص غير مؤهلين طبيا يقومون بإدارة المكان، حتى أنهم يستخدمون الأجهزة على العملاء. إن وعود النتائج مبالغًا فيها دوما، بالإضافة، لا يتم الحديث عن الآثار الجانبية المحتملة. هناك العديد من القصص المرعبة عن عمليات كلفت عملاء أنوفهم أو شفتيهم أو حياتهم بأكملها. أنا، و للأسف، أعرف عددًا قليلاً من هذه الحالات شخصيًا؛ كل ما عليك فعله هو البحث عبر الإنترنت أو سؤال الجيران ببساطة.

بغض النظر عن ذلك، فإن هذا لا يمنع الناس – أي النساء – من القيام بهذه العمليات. أينما تنظر في الكويت، ستقابلك شفاه متورمة، وخدود ضخمة، وأنوف صغيرة في منتصف وجه غير مناسب. ما ستراه أيضًا هو كآبة وعبوس الحواجب الموشومة على هذه الوجوه؛ ما زالوا غير راضين عن أنفسهم. الشيء العجيب هو أن أصبح رؤية امرأة ذات وجه طبيعي شيئًا نادرًا!

لكن من يستطيع أن يلوم هؤلاء النساء؟ مع سلسلة الإعلانات العدوانية والنقد المستمر، ليس من السهل أن يجدوا ثقتهم. إن توفر المال والتشجيع السلبي من الأسرة والأقران يجعل النساء يخضعن لهذه العمليات بتهور.

وهكذا، تجنبت التجمعات النسائية ولجأت إلى بعض الأصدقاء، لأن صحتي و تقديري لذاتي أكثر أهمية. في هذه التجمعات، يتصرفن النساء كأعداء أكثر من الأصدقاء. يفحصونكِ  من الرأس إلى القدمين، و يقدمون نصائح غير المرغوب بها والعديد من الملاحظات السلبية، ولكن الحقيقة هي أنها مجرد سلسلة.

كان بناء تقديري لذاتي في ظل هذه الظروف العصيبة رحلة مجزية. في بيئة تهيمن عليها النساء، تعرضت لهجوم مستمر لعدم الخضوع لمعايير الجمال. كان تلقي النقد اليومي من “الأصدقاء” والأعداء في المدرسة، أفراد الأسرة، وحتى المعلم، شيء طبيعي، حيث قاموا بالإشارة إلى ملامحي بشكل سلبي. استغرق الأمر الكثير من الشجاعة للوقوف أمام المرآة و رؤية الأشياء التي أحبها عن نفسي بشكل يومي. الإلتزام بهذه العادة قامت بالعجائب. إزالة الأشخاص السلبييّن من حياتي، وأولئك الذين لا يريدون لي الخير، وقضاء بعض الوقت مع أشخاص متفهمين ساعدني كذلك.

أثناء الكبر، تعلّمت أن أحترم جَسدي وأحبّه، وأغذيه بالطعام الجيد ، وأُقويه بالرقص والتمارين الرياضية، وأزينه بالزيوت والمنتجات الطبيعية. أسمح لنفسي بالراحة و الاستمتاع باللحظات دون الشعور بالذنب حيال ذلك. من ناحية الموضة، اخترت أن أكون صادقة لنفسي، مستمتعة بالألوان والأنسجة التي تعبر عن هويتي وتملق شكلي. إذا كانت هناك قطعة أريد أن أرتديها، فَسأرتديها حتى لو اعتقد بعض الزملاء أنها مبالغ فيها.

بدأت أُقوي حدودي حينما ازداد تقديري لذاتي. لست مضطرة للتعبير، لكن الناس من حولي يدركون أنني سأكون محل تقدير، وأنني لن أتساهل مع عدم الاحترام. نتائج القرارات التي اتخذتها كانت رائعة! بدأت أتلقى مجاملات عن جمالي. أخذ الناس يروني من خلال نفس العدسة التي أرى بها نفسي. والأهم من ذلك، أدركت أن جميع الملاحظات السلبية التي اعتدت سماعها جاءت من مكان غيرة وكراهية.

ليس من الضروري أن يكون لديك أصغر أنف في العالم، أو أكثر شفاه تورما لتكوني جميلة. ليس عليكِ أن تبحثي عن طريقة معينة للشعور بالرضا عن نفسكِ. اعتني بنفسكِ  بطريقة محبة واستعدي للتحول السحري الذي سيحدث.


دانة الراشد كاتبة وشاعرة من الكويت. تكتب في جريدة الجريدة ونشرت بعض المقالات الإنجليزية في جريدة كويت تايمز. نشرت أيضا كتابًا للشعر في العام الماضي تحت اسم مدونتها: (Reflecting (Moon. في مدونتها، يمكنكم العثورعلى شعر ومقالات أكثر حميمية. يمكنكم قراءة المزيد من عملها هنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s