الازدهار

تقف نور الصغيرة أمام المرآة، و هي تنسج شيئا من الغموض. كثيرا ما أراها هناك، في نفس مكانها المقدس، تلمس شفتيها، أو تلتقط خيوط شعرها. تحدق انعكاسها بتعبير ممل محفورا على وجهها. يبدو أن سبب توجهها إلى المرآة كان للبحث عن إجابات – إجابات لأسئلة لا تناسب عمرها الصغير.

أختي – البالغة من العمر ست سنوات – التي أعشق روحها المفعمة بالحيوية أكثر من أي شيء آخر، التي من خلالها تعلمت وراثة الفضول، التي بفرحها و بهجتها، امتلأت حياتي ألوان، تنفر من مظهرها.

حينما يصعقني هذا الواقع، أشعر بحمى من الذنب ينخر عظامي. هل أهملت أختي الصغيرة؟ كيف سمحت للوحوش بمكث زوايا خيالها؟ من هذا الموقف بالذات، من هذا التأنيب العنيد، ولد طلبي للمساعدة: ماذا كنت لتفعل إن كانت شقيقتك البالغة من العمر ست سنوات تكره مظهرها؟ 

كنت منغمسةً في التأمل، أحاول استرجاع ذكريات و لقطات نور في ذاكرتي – متى تبنت نور هذه العادات: وخز بطنها، اخفاء مكياجي في أدراج مجموعة ألعابها البلاستيكية، قص شعرها. كيف يمكن لفتاة في سنها تبني مثل هذه العادات؟ وكيف يمكن أن أخرجها من إيقاع البغيض الذاتي الذي خلقته؟

“أريد بشرة فاتحة اللون مثل بشرتك، لماذا بشرتي كلون الشكولاته؟” تُطالب نور دوما.

اخترق شيء غريب قلبي حينها. لقد نطقت نور هذه الكلمات بحزن شديد، واستطعت رؤية عجزها. استطت رؤية كم كانت تتوق لجسم مختلف المظهر.

كيف لي أن أقول لها أنه لا يزل لديك الكون كله لتستكشفينه. أرغب في أخذك إلى أماكن أكبر من وجودك. نور، أنتي كتاب، صفحاته شعر. شهدت تَفَتُّحَ أجمل الزهور في حضورك. أن لونك “الشوكولاتة” (البني) هو لون الأرض، وأنك ترسين إمبراطوريات في مكانها. أرغب في تغليف المتانة وإهدائها لك. نور، إن مشاهدتك تكبرين بجانب الشك كرؤية زهرة ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها للضوء.

حقيقة الأمر أنه لم تكن المشكلة حول لون بشرتك يا نور ولا تجاعيد شعرك العنيدة. جمالك لا يمكن تقييده بريشة شاعر و زينك لا يمكن وصفه ولا تحديده بإزميل نحات. علاقة بشرتك مع الشمس علاقة شغف، لأن اختارت ألوان الربيع الاستقرار على خدودك. الحقيقة المُرة هي أن أسئلتك لن يتم الرد عليها عندما تنظرين إلى المرآة، نور. سواء اخترت أن تسلكي طريق الاستكشاف الذاتي في سن مبكر، أو وجدت نفسك في حلقة العصيبة، سوف أتمسك بك.


على الرغم من عدم وجود إجابات لم تستسلم نور. تقف نور أمام المرآة، ولا تزال تنسج شيء من الغموض. و لكن أليس التساؤل جزءًا من الرحلة؟ ألا يجب للزهرة أن ترتجف مع هلول النسيم قبل أن تصمد أمام العاصفة؟ أليس الشك هو مفتاح إطلاق عنان اكتشاف الذات؟


طلب كاتب القطعة عدم الفصح عن هويته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s